يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
569
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
الحاسد ، فقال تعالى : وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ [ الفلق : 5 ] . ولمنصور رحمه اللّه : ألا قل لمن كان لي حاسدا * أتدري على من أسأت الأدب أسأت على اللّه في فعله * إذا أنت لم ترض لي ما وهب جزاؤك منه الزيادة لي * وأن لا يتم لك المطلب وقد تقدّم ذكر الأسود بن يزيد ، كان من المجتهدين في العبادة ، وكان قد حج ثمانين حجة وعمرة ، وكان يقوم الليل ويصوم النهار ، إنما كان نومه بين المعرب والعشاء ، وكان رضي اللّه عنه يصوم حتى يخضرّ جسمه ويصفرّ لونه ، وكان علقمة بن قيس يقول له : لم تعذب هذا الجسد ؟ فيقول : راحة هذا الجسد أريد . فلما احتضر بكى ، فقيل له : ما هذا الجزع ؟ فقال : ما لي لا أجزع ومن أحق بالجزع مني ؟ واللّه لو أتيت بالمغفرة من اللّه عز وجل لهمني الحياء منه مما قد صنعت ، إن الرجل ليكون بينه وبين الرجل الذنب الصغير فيعفو عنه ، فلا يزال مستحييا منه . وعلقمة المذكور قيل : كان أيضا من العباد العلماء القراء ، وكان حسن الصوت ، وكان عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه يرسل إليه فيقرأ عليه القرآن ، قال : فكنت إذا فرغت من قراءتي قال : زدنا من هذا ، وقرأ عليه مرة فقال له : رتل فداك أبي وأمي فإنه زين القرآن . وقيل لعلقمة : لو جلست فأقرأت الناس القرآن وحدّثتهم ، قال : أكره أن يوطأ عقبي ، وأن يقال : هذا علقمة هذا علقمة ، ولما احتضر قال : لا تنعوني كنعي أهل الجاهلية ، ولا تؤذنوا بي أحدا ، وأغلقوا عليّ الباب ، ولا تتبعني امرأة ، ولا تتبعوني بنار ، وإن استطعتم أن يكون آخر كلامي لا إله إلا اللّه . وقال لامرأته : يا صبية تزيني واقعدي عند رأسي لعل اللّه يرزقك بعض عوّادي . وما ترك إذ مات إلا داره وبرذونا ومصحفه ، وأوصى به لمولى له كان يقوم عليه في مرضه . وكان يحسن علم الفرائض . روى الأعمش عن إبراهيم رحمه اللّه أنه قال له : علمني الفرائض ، قال : أمت جيرانك . وتقدّم الحاج ، قال مجاهد : قلت لابن عمر وقد دخلت القوافل : ما أكثر الحاج ! فقال : ما أقلهم ، ولكن قل ما أكثر الركب . قال ذلك رحمه اللّه حين نظر إلى ما أحدث الناس في الحج من الزيّ والرفاهية والتنعم . وكذلك كان العلماء قديما إذا نظروا إلى المترفهين قد خرجوا إلى مكة يقولون : لا تقولوا خرج فلان حاجا ، ولكن قولوا : خرج